عدد الزوار الحالى 67 عدد الزوار اليوم 67 عدد الزوار الكلى 325805 عدد الزوار الشهر الماضى 45873 عدد الزوار العام الماضى 149125
اكبر عدد تواجد كان 3889 بتاريخ 2011-02-22
عرض اوقات الصلاه لمدينه بغداد
بحث بعنوان
الأسلوب التربوي
في القرآن الكريم
إعداد الباحث
محمود كاظم قاسم
الإهداء
إلى رسول الإنسانية .. إلى المعلم الأول.. إلى من أضاء بنوره الخافقين إلى من أخرج الناس من ظلمات الجهل إلى أنوار العلم وآفاق المعرفة .. إلى الشمعة التي أخذتني إلى حيث الهداية وفتحت لي آفاق نور الولاية .. إلى سيدي ومولاي صاحب الرسالة الخالدة وأب العترة الطاهرة محمد الصادق الأمين صلى الله عليه وآله الطاهرين راجياً من الله القبول..
المقدمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكمل الخلق تربيةً وعلماً محمد ذو الخُلقّ العظيم كما وصفه رب العزة وإنك لعلى خلق عظيم وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعه بإحسان إلى يوم الدين وبعد ..
لقد عاش الناس في مجتمع جاهلي تخبطوا في شتى أمور الحياة ، والتاريخ يثبت تخبطهم في نظام الأسرة، وفي التعامل الاجتماعي، وفي النظام الاقتصادي ، وفي السلوك والمعاملة، وتخبطهم في العبادة ومن يعبدونه، فيصنع البعض منهم إلهاً بيده من مأكولات ليعبده فيفعل ثم إذا جاع أكله، ونحو ذلك من المعاملات والتصرفات التي يرفضها العقل والمنطق. فجاء الإسلام بهديه وإرشاداته بالقرآن المنزل من السماء فأخرجهم من الظلمات إلى النور ، ورباهم فأحسن تربيتهم ، ونمى عقولهم ، وهذب أخلاقهم ، ونظم معاملاتهم ، فجعل لهم نظاماً عالمياً يسيرون به في تعاملاتهم نحو الرقي وإلى الأمام على خطى ثابتة يسودون به العالم ، { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِّلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ }سبأ28.
والتربية عملية تحول وتطور وتنقل من حال إلى حال ، ومن درجة إلى أعلى ، فإذا كانت كذلك فالقرآن هو الذي أحدث هذا التحول للبشرية بعد نزوله ، وطبقته الأمة المصاحبة لمن نزل عليه هذا القرآن وهو النبي الكريم(ص) , فبعد أن كانوا في صراع ونزاع وتخبط في شتى نواحي الحياة ، أصبحوا إخوة متحابين متآلفين قال تعالى : { وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }الأنفال63 فبتوفيق الله ثم بتطبيق تعاليم التربية القرآنية ، فبها ترقوا في مراحل التربية حتى وصلوا إلى الذروة والكمال.
فالقرآن الكريم كتاب الهداية الكبرى للعباد، يهدي كافة الناس إلى الرشاد، قال الله تعالى : { إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْراً كَبِيراً }الإسراء9 وقال في حق نبيه(ص) { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ }الشورى52 إذاً فالقرآن الكريم هو الآمر الناهي الواعظ الزاجر ، وهو النور الذي يكشف ظلمات الجهل ، فما أعظم هذا القرآن ، وما أروع تعاليمه ، وما أبلغ هديه وتوجيهاته.
كما أنه وصف للمسلمين الدواء وأن فيه الشفاء، وحدّ لهم حدوداً لا يتعدونها، بالأوامر والنواهي، وبالترغيب والترهيب، والتمثيل, والقصص، وإبراز وقائع الآخرة، وعرض الآيات الكونية، وأوضح لهم طرق تحقيق الهدف من عبادات ومعاملات ، والنبي الكريم(ص) كل تعامله تخلّق بالقرآن الكريم حتى صار امتثال القرآن - أمرا ونهيا – سجية له وخُلقا تطبّعه، فما أمره القرآن فعله، وما نهاه عنه تركه، هذا مع ما جبله الله تعالى عليه من الخلق العظيم , من الحياء والكرم والشجاعة والصفح والحلم وكل خلق جميل.
إن للتربية الأثر الكبير في نظر الإسلام , فهو الذي أخرج الناس من الظلمات إلى النور قال تعالى :- { الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ }إبراهيم1 .. فهذا القرآن كتاب أوحاه الله إلى الرسول الأكرم(ص) ليخرج به البشر من الضلال والغيِّ إلى الهدى والنور , إلى الإسلام الذي هو طريق الله الغالب المحمود في كل حال.. لذا فقد أولى الإسلام عنايته بالتربية والتعليم , وأعتمد على أهم مصدرين مربيين ومعلمين للعالمين جميعاً وهما القرآن الكريم والحديث النبوي الشريف , وقد طبق تعاليم هذين المصدرين الرسول الأكرم(ص) وأهل بيته الأطهار(ع).. ولذلك جاء عن عائشة عندما سألوها عن خُلق الرسول(ص) قالت خُلقهُ القرآن الكريم وأيضاً ما جاء عنه (ص) أنه قال : أدبني ربي فأحسن تأديبي.
وكون القرآن الكريم كتاب تربية حقيقة مسلّمة لا ينكرها إلا من ختم الله على قلبه ، فهو كتاب تربية وتهذيب وتطوير وتجديد لكل أمور المرء في حياته إن أراد الدنيا أو أراد الآخرة ، إذ قال الله تعالى عن النبي الأمي(ص) : { لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُّبِينٍ }آل عمران164 فالقرآن الكريم يؤدي مهمتين اثنتين في وقت واحد ، مهمة تعليمية تثقيفية ، ومهمة أخلاقية تربوية ، وهكذا كانت المدرسة المحمدية النبوية الأولى على هذا الأساس من التعليم وتهذيب النفس وتربية القلوب والعقول. فالمقصود بالتربية القرآنية: ما يحدثه تعاليم هذا القرآن الكريم في نفس المرء تحولاً إلى أن يصل إلى أعلى القمة في الامتثال والاقتداء والتعايش والتعامل.
تمهيد
لقد أكد علماء التربية على أن البيت من أهم العوامل في تكوين الشخص ، وبناء سلوكه ، فان كان البيت تسوده المحبة والألفة ، والعادات الرفيعة والتقاليد الحسنة ، ويجتنب فيه هجر الكلام ومره ، فان الطفل ينشأ نشأة سليمة وبعيدة عن التعقيد ، وازدواج الشخصية ، وان كان البيت مصاباً بالانحراف والشذوذ ، وتنتشر فيه البغضاء والكراهية ، فان الطفل حتماً يمنى بالتعقيد ، والجنوح ، والانحراف .
وهذا ما دل عليه قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ }التحريم6 فيجب على الآباء الاهتمام بتربية أولادهم التربية الإسلامية ، وذلك بحثهم على فعل الواجبات ، وترك المحرمات ، وينبغي لهم تعليمهم العقيدة الصحيحة ، والمسائل الشرعية ، والارتباط بالقرآن ، وأهل البيت(ع) وقد بلغ من حسن تأثير التربية الإسلامية أن الناس كانوا يأتون رسول الله(ص) فيعترفون عنده بجرائمهم وجناياتهم بالتوبة ويذوقون مر الحدود التي تقام عليهم القتل فما دونه ابتغاء رضوان الله وتطهيراً لأنفسهم من قذارة الذنوب ودرن السيئات وهذا من عجائب تأثير البيان الديني في نفوس الناس.
ولم يعهد عن أحد من الخلفاء أنه عنى بالناحية التربوية أو بشؤون التعليم ، كالإمام أمير المؤمنين(ع) وإنما عنوا بالشؤون العسكرية ، وعمليات الحروب وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية ، وبسط نفوذها على أنحاء العالم ومن ثم كانت حقول التربية الدينية ضعيفة للغاية الأمر الذي أدى إلى انتشار القلق الديني ، وقلة الوعي الإسلامي ، وكان من نتائجه ظهور الحركات الإلحادية والمبادئ الهدامة في العصر الأموي والعباسي ، كما كان من نتائجه شيوع الخلاعة والمجون في كثير من أنحاء البلاد ، أما بيوت الخلفاء والوزراء فكانت من مراكز اللهو والدعارة والتفسخ .
وقد أولى الإمام أمير المؤمنين(ع) المزيد من اهتمامه بهذه الناحية فاتخذ جامع الكوفة معهداً يلقي فيه محاضراته الدينية والتوجيهية ، وكان يشغل أكثر أوقاته بالدعوة إلى الله ، وإظهار فلسفة التوحيد ، وبث الآداب والأخلاق الإسلامية ، مستهدفاً من ذلك نشر الوعي الديني ، وخلق جيل يؤمن بالله إيماناً عقائدياً لا تقليدياً ، وكانت مواعظه تهز أعماق النفوس خوفاً ورهبةً من الله ، وقد تربى في مدرسته جماعة من خيار المسلمين وصلحائهم أمثال حجر بن عدي ، وميثم التمار ، وكميل بن زياد وغيرهم من رجال التقوى والصلاح في الإسلام . وكانت وصاياه إلى ولديه الحسن والحسين(ع) وسائر تعاليمه من أهم الأسس التربوية في الإسلام.
لقد قننت أصول التربية ، ووضعت مناهجها على أسس تجريبية كانت من أثمن ما يملكه المسلمون في هذا المجال .. أما التعليم فقد كان الإمام(ع) هو المعلم والباعث للروح العلمية ، فهو الذي فتق أبواب العلوم في الإسلام كعلم الفلسفة والكلام ، والتفسير والفقه والنحو وغيرها من العلوم التي تربو على ثلاثين علماً ، وإليه تستند ازدهار الحركة العلمية في العصور الذهبية في الإسلام حسب ما نص عليه المحققون.
لقد كان الإمام المؤسس الأعلى للعلوم والمعارف في دنيا الإسلام ، وقد بذل جميع جهوده على إشاعة العلم ونشر الآداب والثقافة بين المسلمين وكان دوما يذيع بين أصحابه قوله : ( سلوني قبل أن تفقدوني ، سلوني عن طرق السماء فاني أبصر بها من طرق الأرض ) .
ومن المؤسف والمحزن - حقاً - أنهم لم يستغلوا وجود هذا العملاق العظيم ، فيسألوا منه عن حقيقة الفضاء والمجرات التي تسبح فيه ، وغيرها من أسرار الطبيعة التي استمد معارفها من الرسول الأعظم(ص) لم يسألوا عن أي شئ من ذلك ، وإنما راحوا يهزؤون ، وقد قال بعضهم بسخرية كم طاقة في رأسي من شعر ؟
لقد عاش الإمام غريباً في وسط ذلك المحيط الجاهل الذي لم يعِ أي شئ من أهدافه ومثله ، ولم يعرف حق قيمته ، ولم يثمن عبقرياته ومواهبه . وعلى أي حال فان الإمام أقام حكومته علي تطوير الحياة الفكرية والعملية ، وبث المعارف والآداب بين جميع الأوساط .
إن القرآن الكريم لا يقتصر على سرد القوانين والتعاليم الإسلامية ضمن قوالب قانونية جافة ، بل يؤدي دور وسيلة الإعلام المؤثرة التي تتناغم مع مشاعر الناس وعواطفهم من خلال أسلوبه المتميز في الفصاحة والبلاغة والتأثير، ولذلك ورد الحث على الإكثار من قراءته والتحذير من هجرانه، وقد أشار إلى هذا الدور قوله تعالى: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُّتَصَدِّعاً مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ }الحشر21 وهنا تبرز أهمية التكرار وتنّوع الأساليب القرآنية وحيويتها ، للتكيف مع مخاطبة مختلف المستويات وضمان الفاعلية والتأثير في كل الظروف.
وبالإضافة إلى كون القرآن كتاباً دينياً فهو كتاب علمي دقيق يصلح مرجعاً للعلماء والباحثين على مرّ العصور ، ولذلك لا نستغرب من اشتماله على كم ضخم من المفاهيم والبحوث العلمية الدقيقة والمعمّقة ، في مجالات علمية متنوعة. ففي الحديث عن النبي(ص) يتحدث عن القرآن : ( وله ظهر وبطن ، فظاهره حكمة وباطنه علم ، ظاهره أنيق وباطنه عميق ، له نجوم وعلى نجومه نجوم ، لا تحصى عجائبه ، ولا تبلى غرائبه ، فيه مصابيح الهدى ومنار الحكمة، ودليل على المعروف لمن عرف النصفة، فليرعَ رجل بصره ).
المبحث الأول
في
القرآن الكريم
التربية في المنظور القرآني :
لقد أهتم القرآن الكريم بتربية الفرد , فالمستشرقون والعلمانيون يشكلون على كتب الأنبياء بأنها كتب لم تأتي بعلوم صناعة السيارات أو صناعة القطارات أو غيرها من الصناعات الحديثة , فالغرض من بعثة الأنبياء والرسل هو صناعة الإنسان بكل معنى الكلمة , وكيف يسخر عقله وعلمه لخدمة الإنسانية من علوم نافعة غير ضارة , إذاً فالقرآن الكريم كتاب جاء ليربي الإنسان تربية إيمانية صحيحة , تسمو بالنفس الإنسانية إلى مدارج الكمال والرفعة. وقد أشار القرآن الكريم في عدة آيات إلى هذا المعنى.
التربية في المعنى اللغوي : إن كلمة التربية لم ترد بلفظها في القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة , وإنما وردت بألفاظ (رَبًّى) و (نُربًّي) و(نزكًّي).وهي مأخوذة من كلمة ( يربي ) وهذه الكلمة لها عدة معان لغوية منها : ربا يربو بمعنى نما وأزداد , وربيَ ويربيَ بمعنى نشأ وترعرع , أما كلمة ربَّ والربَّ فمعناها المالك أو المصلح أو السيد المطاع.
أما في الاصطلاح: هي مجموعة مؤثرات معينة ، تؤدي إلى إحداث تغييرات لدى الأفراد، حتى يكتسبوا سمات الشخصية التي نتفق على اعتبار أنها قد تزودت بالخصائص التربوية. بالإضافة إلى أنه هناك علاقة بين التربية والأخلاق , فالأخلاق كما عرفها الماوردي: بأنها غرائز كامنة، تظهر بالاختيار، وتقهر بالاضطرار.
ولا يصل صاحب الأخلاق إلى هذه الدرجة إلا بعد المرور بمرحلة من تربية النفس نحو الفضائل، وتنحيتها عن الرذائل، فالعلاقة بين الأخلاق والتربية هي علاقة بين النظري والتطبيق. فالأخلاق الفاضلة: من عفو وحلم وعزة وسخاء علم نظري راق، والتربية تعويد النفس على هذه الأخلاق حتى تصبح سجية.
لقد ربط القرآن الكريم بين الأخلاق والعبادات فجعلها إحدى الثمار من وراء التكاليف الشرعية وليست بمعزل عنها، قال تعالى : { اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ }العنكبوت45 ..كما ربط النبي(ص) عمليًا بين العبادة والأخلاق فقد ورد عنه كان يدعو عند استفتاح الصلاة : ( اللهم أهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها إنه لا يصرف سيئها إلا أنت)
إن العقيدة أساس التربية من منظور الإسلام ، والتربية تنمية الإنسان الصالح عن طريق التعرف على الله سبحانه وتعالى ، والاتصال به والقرب منه ، وما ينبغي أن يحدث من أثر على الفرد ، وبنائه روحياً وعقائدياً ، وغرس الإيمان في نفسه بالله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور ، ويعلم الكليات والجزئيات ، ويرغب عبده بل يأمره بطلب العلم وتحصيله ونفي الجهل عن نفسه وذلك بقوله سبحانه وتعالى: { فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ }النحل43.
إن الله سبحانه وتعالى هو المربي الأول والمعلم الأول , فإن أدم(ع) تلقى الهداية من ربه وأستمسك بها فالتربية التي تقوم على أساس الهداية هي نقطة البداية في تاريخ التربية وهذا المعنى يجسده قوله تعالى : { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ }البقرة37 فآدمُ تلقى بالقبول كلماتٍ , ألهمه الله إياها توبةً واستغفارًا, وهي قوله تعالى: ( ربَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِن الخَاسِرِينَ) فتاب الله عليه , وغفر له ذنبه إنه تعالى هو التواب لمن تاب مِن عباده, الرحيم بهم ثم عطف على ذلك بقوله : { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ }البقرة38 , فقال الله لهم: اهبطوا من الجنة جميعًا, وسيأتيكم أنتم وذرياتكم المتعاقبة ما فيه هدايتكم إلى الحق. فمن عمل بها فلا خوف عليهم فيما يستقبلونه من أمر الآخرة ولا هم يحزنون على ما فاتهم من أمور الدنيا.
وهذه من نعم الله سبحانه وتعالى على الإنسان ومنحه الخصائص التي تمكنه من الإستجابة للعملية التربوية , فالإنسان قادر على إستخدام اللغة ولديه العقل الذي يميز به كل ما يدور حوله ويميزه عن غيره من الأحياء ويجعله قادراً على إدراك العالم الذي يحيط به , وعالم الغيب الذي لا يدرك بالحواس.
ومما لا شك فيه أن للقرآن الكريم أسلوباً رائعاً ، ومزايا فريدة في تربية الفرد على الإيمان بالله وبوحدانيته ، وباليوم الآخر. فهو يفرض الإقناع العقلي مقترناً بإثارة العواطف والانفعالات الإنسانية، وبذلك فهو يربي العقل والعاطفة جميعاً ، متمشياً مع فطرة الإنسان في البساطة وعدم التكلف وطرق باب العقل مع القلب مباشرة.
فالنظام التربوي الإسلامي يجب أن تربطه أخلاقيات بالمجتمع المسلم الذي يعيش فيه ، وتربط بين مؤسساته وأنظمته المختلفة أخلاقيات ، هي صورة لأخلاق القرآن ، وبهذا تصبح التربية قائمة على أخلاق تؤدي وظائف أخلاقية ، في سبيل تحقيق أهدافها من التربية الإسلامية.
وإذا كانت التربية هي الحياة ، فإن المدرسة يجب أن تنقل الأخلاق إلى داخلها،بمعنى أن التربية الأخلاقية لا يمكن أن تقتصر على مجرد تعليم الحكمة ، بل إن المتعلمين يجب أن تتاح لهم العديد من الفرص لكي يعتادوا المثل الأخلاقية. ولقد أعطى لنا القرآن الكريم مجموعة من الطرق التي توصلنا إليها والتي يمكن عن طريقها أن نربي جيلنا تربية أخلاقية ، ونحقق أهدافها من مثل الصلاة ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والموعظة الحسنة ، والدعوة إلى الفضيلة والقصة والقدوة ، وهذه الطرق تلعب دوراً بالغاً في تربية وتنمية الأخلاق لدى المتعلم.
وبالتالي فإن التربية الإسلامية حين تهدف إلى تربية الإنسان المسلم تربية أخلاقية ، تضع في اعتبارها أن الإنسان حضاري ، وحضارته أخلاقية بالدرجة الأولى ، وبفضل أخلاقيتها استمرت ودامت وأثرت وتأثرت ، وحيث أن رسالة التربية هي الأفراد الإنسانيون ، فإن التربية الإسلامية تعمل على تكوين إفراد إنسانين أسوياء واثقين من الله ومن أنفسهم ، ولا يخافون إلا من الله ، وبالتالي يتحقق النضج الانفعالي والاتزان العاطفي ، حيث التحرر من الخوف والتفاؤل والأمل من الله ، ومن ثم يتحررون من العقد والانحرافات التي تدون إنتاجيتهم ، وذلك عن طريق تدريبهم على التخلص من القلق ، وذلك بالاعتماد على الله في كل شيء ، والرضا بقضائه وعلى أن الإنسان في معية الله دائماً ، حيث أن مصدر القلق في الحياة هو الدنيا بما فيها من مال وبنين ومنصب وجاه وتهديد للنفس والمال وما إلى ذلك قال تعالى: { الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً }الكهف46.
وإذا كان القرآن يتعامل مع النفس على أساس المثير والاستجابة ، وليس على أساس رد الفعل المنعكس أي على أساس أن الفكر نشاط إيجابي فعال للنفس ، فالتربية تتعامل مع الأفراد على هذا الأساس ، بحيث تقدم المثيرات المختلفة ، ثم تدرب الإنسان المسلم على تعلقها والاستجابة لهذه المواقف. كما تأخذ في اعتبارها الفروق الفردية بين الأفراد ، إذ منهم من يستثار بالحس ، ومن يستثار بالمعنى وهذا نلاحظه كثيراً في الترغيب والترهيب ، ومن ثم تعمل التربية القرآنية على تدريب الإنسان على خبط استجاباته ، بحيث لا تصور إلا عن فكرة وروية.
فالتربية القرآنية من الناحية النفسية ، تنظر للمتعلم من منظور الاستخلاف أيضاً ، وتحاول تنميته إنساناً عابداً صالحاً انطلاقا من أن القرآن يجعل العبادة عملاً والعمل عبادة ، ويربط بين النفس والجسم والسماء والأرض ، والدنيا والآخرة كلها في نظام ، ومن ثم فهي تنمي الفرد المسلم تنمية نفسية ووجدانية سليمة بحيث يتحقق الهدف النهائي لهذا التربية.
إن من أهم أهدافها التربية الإسلامية , هو تنشئة الأجيال طبقاً لمعايير المجتمع المسلم ، وهي تعطي الأفراد في هذا السبيل ، اللغة وحسن التصرف في المواقف الاجتماعية مع مراعاة إعدادهم للمستقبل القريب والبعيد مع مرونة لاحتمالات التغَّير.
فالتربية الإسلامية تهتم بالأسرة اهتماما بالغاً ، باعتبارها الوعاء التربوي ، حيث تهتم بإعداد الأفراد ليكونوا آباء وأمهات صالحين ، مع الاهتمام بالأم خاصة إذ هي التي تُحسن تربية أطفالها تربية جسدية وخلقية وعقلية ودينية وصحية ، ومن ثم تستطيع تزويد المجتمع بأفراد يستطيع معهم بالتربية أن يجعلهم ملتزمين التزاما كاملاً تجاهه.
وعند عرض الآيات القرآنية التي تشير إلى التربية موضوع بحثنا فمن المجحف أن نحصر الآيات القرآنية في ذلك , لأن القرآن كله منزل ليربي الإنسان التربية الصالحة ويقوم سلوكه , لذلك أذكر بعض الآيات التي تشير إلى ذلك على سبيل المثال لا الحصر , منها ما جاء على لسان لقمان الحكيم في وعضه لأبنه وهو قوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ{13} وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ{14} وَإِن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ{15} يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِن تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ فَتَكُن فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ{16} يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ{17} وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ{18} وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ{19}لقمان
لقد اشتملت هذه الآيات على عدة نصائح صدرت من أب مشفق على أبنه , حددت له الطريق الصحيح الذي يجب عليه وعلى كل من يقرأ القرآن الكريم أن يلتزم بهذه النصائح الحكيمة , فبدأ أولاً بأهم ركن من أركان العقيدة الإسلامية ألا وهو التوحيد حيث قال له واعظًا: يا بنيَّ لا تشرك بالله فتظلم نفسك , فالشرك من أعظم الكبائر وأبشعها, وهذه هي علاقة الإنسان بربه.. ثم أنتقل إلى علاقة أخرى من علاقات الإنسان وهي علاقته بأبويه وكيفية معاملته لهما , فالأبوين يأتون في المرتبة الثانية بعد الله سبحانه وتعالى من حيث الطاعة فأَمَر الإنسان ببرِّ والديه والإحسان إليهما , لما قاسته أمهُ أثناء حمله من الضعف والوهن , ولما تحملته من بعد الولادة من الرضاعة والفطام.
إضافةً إلى ذلك فإن الله عز وجل قد وضع حدود لهذه الطاعة كما بينتها الآيات الكريمة وهي وإن جاهدك والداك على أن تشرك بي غيري في عبادتك إياي مما ليس لك به عِلم, أو أمراك بمعصية مِن معاصي الله فلا تطعهما؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق, وصاحبهما في الدنيا بالمعروف فيما لا إثم فيه, واسلك طريق مَن تاب من ذنبه, ورجع إليَّ وآمن برسولي محمد(ص) ، ثم إليَّ مرجعكم, فأخبركم بما كنتم تعملونه في الدنيا, وأجازي كلَّ عامل بعمله.. كذلك أشارت الآيات المباركة إلى أن أي عمل يعمله بنيَّ أدم من السيئة أو الحسنة إن كانت قَدْر حبة خردل- وهي المتناهية في الصغر- في باطن جبل، أو في أي مكان في السموات أو في الأرض, فإن الله يأتي بها يوم القيامة, ويحاسِب عليها. إن الله لطيف بعباده خبير بأعمالهم.
كما إن الآيات أشارت إلى ركن أخر من أركان الإسلام وهو علاقة العبد بربه عن طريق إقامة الصلاة تامة بأركانها وشروطها وواجباتها, كما إنها أشارت إلى ركن ثالث من أركان الإسلام والذي يحدد علاقة الإنسان المؤمن بأخيه المؤمن وهو الأْمر بالمعروف, والنْهي عن المنكر بلطفٍ ولينٍ وحكمة بحسب الجهد, وتحمَّل ما يصيبك من الأذى مقابل أمرك بالمعروف ونهيك عن المنكر, واعلم أن هذه الوصايا مما أمر الله به من الأمور التي ينبغي الحرص عليها.
ثم إننا نلاحظ من جانب أخر اهتمام القرآن بالتربية الاستهلاكية ، فهناك آيات كثيرة توصي بالاهتمام وبتدريب الإنسـان على الإنفاق في سبيل الله وقضاء حوائجه دون إسراف ولا تقتير قال تعالى: { وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا }الفرقان67 إلى جانب تدريب الفرد المسلم،على الإنفاق في سبيل المجتمع،وفي سبيل الخير العام ، وهذا من مستلزمات الحياة في المجتمع المسلم.
والقرآن يدعوا إلى التسابق في الخير ، والتربية الإسلامية تدرب أفرادها عليه وعلى تجويد العمل والتعاون من أجله واستغلال الذكاء في هذا ، مما يؤدي خفض تكاليف الإنتاج أو تحسين وسائل الإنتاج ممـا يمكن المستهلك من الحصول على مطالبه بأقل ثمن.
كما إن التربية القرآنية ، تدرب الأفراد على التعاون أو التعامل مع السلطة السياسية القائمة في المجتمع ، بحيث يعرف الفرد كيف يبدي رأيه طبقاً لمبدأ الشورى ، إذ إن التربية القرآنية أساسها الشورى فهي لا تضعف رأياً ولا تتجاهله ، وهي بعد ذلك تنمي لدى المتعلم عادات معينة ، مثل تقدير وجهات النظر الأخرى والتمسك بالحق ، حتى أمام الرأي المعارض واحترام حريات الآخرين والتعامل السياسي في المجتمع وهكذا تنمي معلم القرآن الكريم الأفراد للمشاركة في السياسة العامة للدولة،ومشاركة القيادة في حفظ المجتمع المسلم من الأضرار،التي يمكن أن تلحق به،مع الالتزام بالخط الأساسي في القرآن،ثم إنها تُعد الأفراد للقيادة،حيث يصبح لدى كل فرد- يستطيع القيادة- فرصة القيادة،فهو يتقدم إليها،إذا وجد في نفسه القدرة والاستعداد للقيادة والقيام بتبعاتها قال تعالى: { قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَآئِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ }يوسف55.
فالتربية القرآنية تعمل على تنمية الإنسان تنمية شاملة عالمية ، ليكون الإنسان عالمياً صالحاً لكل مجتمع إذ لديه الأصول العامة ومعه عقل متفتح على العالم ، وخبرات يستغلها في خدمته وفي طاعة الله ومن هذا المنطلق فإن تعلم اللغات ضروري وهام ، إذ إن القرآن والمجتمع المسلم والفرد المسلم كلها تحترم ثقافات الشعوب الأخرى.
والتربية بدورها تهتم بهذا إذ إنه يساعد على التقارب والتفاهم والتعارف والاستفادة من خبرات الآخرين بما يوافق العقيدة الإسلامية ، وهكذا تغرس التربية الإسلامية في نفوس أبنائها ذلك المبدأ الإسلامي الرائع وهي تدربهم على أن يفتحوا أعينهم جيداً إزاء كل ما تعرضه عليهم الحضارات الجديدة من قيم ومعطيات فيتمعنوا ويدرسوا ويفكروا وينقدوا ويقارنوا ثم يصدروا حكمهم لا بالرفض أو القبول ولكن بالاختيار أو الانتقاء ، والعزل والفصل ثم إعادة البناء فيعيدوا صياغة حضارة الإنسان،على عين الله الذي أسلموا وجوههم له.
هناك علاقة بين العلم والإيمان وهذا ما دل عليه قول الرسول(ص) : ( العِلمُ حياة الإسلام وعماد الإيمان ).
فيعتقد البعض أن العلم والإيمان شيءٌ واحد . فإذا كنا نعلم بان هناك خالقاً لهذا العالم وهو قادر وعالم ، فنفس هذا العلم إيمان به ، لكن المحققين يقولون بفصل الإيمان عن العلم ، لأن الإيمان يمكن أي يكون ثمرة من ثمار العلم وليس بالضرورة أن تكون الثمرة دائمة . ولكن عين العلم هو الإيمان التسليم القلبي والقبول والاعتراف الرسمي ، بينما كثيراً ما يحصل أن يعتقد الإنسان بشيء ولم يسلم به، كما يحكي القرآن عن البعض في قوله تعالى : { وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }النمل14
كما إنه هناك علاقة بين العلم والتقوى ولو لم تكن كذلك لم يخاطب الله ( أولو الألباب ) داعيهم للتقوى في قوله تعالى :{ فَاتَّقُواْ اللّهَ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ }المائدة100 .. وفي هذا الخطاب دليل على هذه العلاقة المباركة بين العلم والتقوى , وقوله تعالى : { كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ آياتِهِ لِلناسِ لَعَلَّهُم يَتَّقُونَ }البقرة 187 .. ففي
هذا التعبير في الآية الأخيرة يدل بوضوح على أن الله يبين الآيات كمقدمة لإثارة عقول وقلوب الناس والإثارة سبيل إلى التقوى.
لقد نبذ القرآن الكريم الجمود الفكري في كثير من آياته فقال تعالى : { قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَّكُم بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ }سبأ46 .. إن القرآن الكريم دعانا إلى النظر والتفكر والتدبر والابتكار , واستعمال العقل في الوصول إلى الحقيقة بعدما بين لنا إبداع الباري عز وجل الذي خلق كل شيء وصنع كل شيء وصور كل شيء وقد صدق في وصف نفسه : {بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ }البقرة117 .. فالله تعالى هو خالق السموات والأرض على غير مثال سبق , فهو المبدع الحقيقي .. لذا فإن الله تعالى خلق الإنسان ووضع عنده قدرات عقلية تساعده في الوصول إلى ما يحتاجه في دنياه وكذلك توصله إلى آخرته , وعلى هذا الأساس يمكن للشخص الموهوب أن يتوصل إلى نتائج وحلول لعدد من المشكلات التي تواجهه إثناء حياته لا يجد لها نصاً صريحاً في القرآن أو السنة النبوية وإنما يستنبطها من خلال القرآن أو السنة وهذا ما يطلق عليه بالفقيه.
أما البعد الأخر وهو طريقة التفكير وأسلوبه الذي يقوم على منهج البرهان الوجداني وحركة العقل والاستعانة بالحواس.في القرآن دعوة حثيثة إلى العلم يجدها المتدبّر في آياته , العلم بجميع فروعه، وبجميع اختصاصاته ، وبشتّى اتجاهاته. وهو يفتنّ في أساليب هذه الدعوة، ويفتنّ في الحث عليها، ويكثر من تكرارها، وتكرار الحث عليها حتى لا تكاد تخلو صفحة من صفحاته عن ذكرها مرة واحدة على أقل تقدير.
من جانب أخر عظم القرآن الكريم مكانة العلم وحث على طلبه , تعظيما لم يسبق له مثيل في الكتب السماوية الأخرى ، ويكفي أنه نعت العصر العربي قبل الإسلام بـ«الجاهلية»، وفيه مئات من الآيات التي يذكر فيها العلم والمعرفة وفي أكثرها ذكرت جلالة العلم ورفيع منزلته. قال تعالى ممتنا على الإنسان : {عَلَّمَ الْإِنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ }العلق5 .. وقال : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ }المجادلة11 .. وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }الزمر9 وإلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي تنادي بعظمة العلم , وفي أحاديث الرسول وأهل بيته (عليهم السلام) التالية للقرآن الكريم شواهد لا تحصر في الحث على طلب العلم وأهميته وعظيم شأنه.
فالعلوم التي يدعو القرآن الكريم إلى تعلمها في كثير من آياته كثيرة ولا يمكن حصرها , ولكن بإختصار فهي تدعو إلى التفكر في الآيات السماوية والنجوم المضيئة والاختلافات العجيبة في أوضاعها والنظام المتقن الذي تسير عليه كقوله تعالى : {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ * وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ }الواقعة75-76 ويدعو إلى التفكر في خلق الأرض والبحار والجبال والأودية وما في بطون الأرض من العجائب واختلاف الليل والنهار وتبدل الفصول السنوية وهذا ما أشار غليه قوله تعالى : { إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ }البقرة164
كما ويدعو إلى التفكر في عجائب النبات والنظام الذي يسير عليه وفي خلق الحيوانات وآثارها وما يظهر منها في الحياة , ويدعو أيضاً إلى التفكر في خلق الإنسان نفسه والأسرار المودعة فيه، بل يدعو إلى التفكر في النفس وأسرارها الباطنية وارتباطها بالملكوت الأعلى. كما يدعو إلى السير في أقطار الأرض والتفكر في آثار الماضين والفحص في أحوال الشعوب والجوامع البشرية وما كان لهم من القصص والتواريخ والعبر بهذا الشكل الخاص يدعو إلى تعلم العلوم الطبيعية والرياضية والفلسفية والأدبية وسائر العلوم التي يمكن أن يصل إليها الفكر.
ومن الآيات التي تشير إلى العلم والتعليم منها قوله تعالى : { وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }النساء113 .. فالقرآن وما فيه من الأحكام التي لم يكن الرسول(ص) ولا قومه يعلمونها كانت فضل الله عليك وعلى قومك .. ومن الآيات الأخرى في مجال التعليم قوله تعالى : { ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاء الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ }الجاثية18 .. أي على منهاج واضح من أمر الدين , فاتبع الشريعة التي جعلناك عليها, ولا تتبع أهواء الجاهلين بشرع الله الذين لا يعلمون الحق. وفي الآية دلالة عظيمة على كمال هذا الدين وشرفه, ووجوب الانقياد لحكمه, وعدم الميل إلى أهواء الكفرة والملحدين.
كما وردت في القرآن الكريم آيات تحث الإنسان على التفكر والنظر والتدبر في ملكوت الله سبحانه وتعالى وفي خلقه وفي نفس الإنسان منها قوله تعالى : {قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ }العنكبوت20 .. وهي دعوة من الله عز وجل لخلقة ولمنكري البعث بعد الممات أن ينظروا لما حولهم فينظروا إلى عجائب خلق الله فيسيروا في الأرض, فينظروا كيف أنشأ الله الخلق , ولم يتعذر عليه إنشاؤه مبتدَأً؟ فكذلك لا يتعذر عليه إعادة إنشائه النشأة الآخرة. إن الله على كل شيء قدير, لا يعجزه شيء أراده.
ومن الذين يرفع الله درجاتهم وهو ما دل عليه قوله تعالى : { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ }المجادلة11 .. فهذه الآية دلت على أن الله سبحانه وتعالى يرفع مكانة المؤمنين المخلصين ، ويرفع مكانة أهل العلم درجات كثيرة في الثواب ومراتب الرضوان, والله تعالى خبير بأعمالكم لا يخفى عليه شيء منها, وهو مجازيكم عليها. وفي الآية تنويه بمكانة العلماء وفضلهم، ورفع درجاتهم.
إن التربية لا تستقيم إلا بالتعليم والعكس صحيح , فإذا خلا التعليم من التربية أصبح بلا نتيجة في أكثر الأحيان ونقصاً في ناحية التربية , ولكن كلمة التعليم أشمل وأعم في الفكر التربوي الإسلامي من كلمة التربية , فقوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ }فاطر28 .. فالذي يخشى اللهَ ويتقي عقابه بطاعته واجتناب معصيته العلماءُ به سبحانه, وبصفاته, وبشرعه, وقدرته على كل شيء.
ومنها اختلاف هذه المخلوقات مع اتحاد سببها, ويتدبرون ما فيها من عظات وعبر. إن الله عزيز قويٌّ لا يغالَب, غفور يثيب أهل الطاعة, ويعفو عنهم. وهذا أفضل أنموذج على ذلك , فلفظ العلماء هنا لا يرتبط بطائفة من العلماء دون أخرى , أو بمجال من المعرفة دون أخر , وذلك لأن سياق الآية يدل على أن المقصود بالعلماء هم حملة العلم وأهله في جميع ميادين المعرفة سواء كانت هذه المعرفة في العلوم الشرعية أو العلوم الدينية .
فأما فضائل العلم وأهله فأكثر من أن تحصى وأعظم من أن تستقصى من الآيات والأحاديث النبوية فأما الكتاب الحكيم ما قد ذكرناه من الآيات المباركات , وهناك الكثير منها قوله تعالى : {شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ }آل عمران18 فبدأ الله سبحانه وتعالى بنفسه وثنى بالملائكة وثلث بالعلماء دون سائر خلقه فيكون من عداهم دونهم وهو المطلوب . وقال تعالى : { وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }النساء113 .. وعادة العرب في سياق الامتنان تأخير الأفضل وتقديم المفضول على الأفضل فتكون موهبته عليه السلام من العلم أفضل من موهبته من الإنزال المتضمن للبنوة والرسالة وهذا أشرف .
وربما يستفاد من مقتضى نص قوله تعالى في خطاب النبي(ص) : ( وقل ربي زدني علماً ) زيادة على ما قيل بأن الله أمر النبي(ص) بعدم التعجيل بقراءة القرآن وقت نزول الوحي ، إن الإسلام لم يقيد العلم بعلوم الدين فقط بل أطلق عبارة العلم لتشمل كل العلوم التي تنفع الإنسان في حياته العملية والدينية ؛ ومنها علوم الطب والتمريض والهندسة والفيزياء والكيمياء والفلك والتربة والجغرافية والتربية التي تساهم جميعاً في تيسير حياة الإنسان لظهور النص القرآني أولاً ، وللنصوص الشرعية الأخرى التي تعضد هذا الرأي ، ثانياً.
فنظرية التعليم في القرآن تتلخص بفكرتين وهما : ( القراءة ) و( التسخير ) . فقد اختصر الإسلام نظريته في التعليم بأول كلمة وحي من الباري عز وجل نزلت على قلب الرسول العظيم محمد(ص) وهي كلمة : ( اقرأ ) . ومع أن هذه الجملة في الآية الكريمة تفيد خصوص القراءة للرسول(ص) إلا أن مقتضاها أوسع من ذلك.
فتوجيه صيغة الأمر بالقراءة سيساعد المكلفين حتماً على فهم الأحكام الشرعية وتطبيقها ، ويساعدهم أيضاً على قراءة القرآن والتفكر في آياته العظيمة ، وعلى تنشيط عقولهم لتطوير الحياة الإنسانية في مختلف مجالاتها الاقتصادية والاجتماعية . وفي الحديث المشهور عن النبي(ص) : ( اطلبوا العلم من المهد إلى اللحد ) وقوله (ع) : ( أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ، وان طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ) دلالة على أن طلب العلم والتفقه يشمل المسلمين عموماً ولا يختص بفئة دون أخرى . فكمال الدين إذن ـ حسب الرواية ـ والسمو في فهم الأحكام الشرعية وعللها ، لا يتم إلا عن طريق طلب العلم والاجتهاد في تحصيله وبذلك فان الإسلام وضع العلم على سلم الحاجات البشرية التي ينبغي إشباعها.
ولا ريب إن التأكيد على التعليم الجماعي كان قد ورد في أحاديث أهل البيت(ع) في القرن الأول الهجري فالإمام علي بن الحسين(ع) في رسالته الحقوقية يدعو بصراحة إلى منح الأفراد حق التعليم ، ويعلق هذا الحق بواجبات السلطة السياسية التي من مسؤوليتها بناء النظام الاجتماعي ، ويقول (ع) : ( وأما حق رعيتك بالعلم فان تعلم إن الله قد جعلك لهم فيها آتاك من العلم و ولاك من خزانة الحكمة ... فان أحسنت في تعليم الناس ولم تخرق بهم ولم تضجر عليهم زادك الله من فضله ).
لقد سعت السلطات السياسية الحاكمة إلى الحفاظ على مستوى من الجهل والتخلف الفكري السائد بين الأفراد آنذاك ، لأن السلطات كانت تشعر إن نشر العلم بين أفراد الأمة سيؤدي إلى هز الكيان السياسي الظالم وتقويض أركانه . وكان من نتائج هذا الانعزال تقلص النظرة الاجتماعية للفقه الإسلامي ، وظهور الاتجاه الفقهي الذي يهتم بشؤون الفرد أكثر من اهتمامه بشؤون الأمة . وانصب اهتمام الفقهاء بالحث على تحصيل العلوم الدينية المتمثلة بالفقه والأصول وعلوم الحديث واللغة والمنطق بالقلة المختارة من الأفراد ، بينما أهمل تعليم الأفراد عموماً ؛ بل إن الأمة الإسلامية باتت على قسمين ، القسم الأول والأكبر سماهم الفقهاء بـ ( العوام من الناس ) وهم الذين لا يجيدون القراءة ، والثاني : وهم الطلبة والعلماء . وهذه التسمية في حد ذاتها تعطي انطباعاً ظاهرياً بان العلم في الإسلام إنما وجد للخاصة فحسب ، وبقية الناس ينطبق عليهم اصطلاح العوام .
وكأن التكليف الشرعي لا يحث المكلف على طلب العلم والتحصيل ! ولا نشك أن اللوم في هذا الفكر المتخلف يقع كلياً على السلطات السياسية المنحرفة التي حكمت الأمة الإسلامية قروناً عديدة ، فسلبت من أيدي الفقهاء العدول كل أدوات السلطة التنفيذية ، وأرادت للأمة الإسلامية بجميع أفرادها التخلف عن ركب العلم والحضارة ، حتى يتم لتلك الفئة المنحرفة السيطرة على مقدرات النظام الاجتماعي بشكل تام .
المبحث الثاني
الحديث النبوي الشريف
* التربية في منظور الحديث الشريف :
إن الله تبارك تعالى لما أراد بيان فضل آدم على الملائكة وإقامة الحجة عليهم , علمه أسماء الأشياء كلها ثم سألهم فلم يعلموا وسأله فعلم فاعترفوا حينئذ بفضيلته وأمرهم بالسجود له وهذا حال العلم بأسماء أو علامتها فكيف العلم بحدود الدين وما يتوصل به إلى رب العالمين . فإن العالم ينقل عن الحق للخلق فيقول : إن الله تعالى حرم عليكم كذا وأوجب عليكم كذا وأذن لكم في كذا فهو القائم بأمر الله تعالى في خلقه وموصله إلى مستحقه والدافع عن تحريف المحرفين وتبديل المبدلين وشبه المبطلين . وكفى بذلك شهيداً على فضل العلم والعلماء .
فالعلم في نظر الشريعة المقدسة عند ذكره العلم يقول طلب العلم فريضة على كل مسلم , ولكن يحدده بأحد ثلاثة علوم وهي إما معرفة آية محكمة من القرآن الكريم ترشده وتهديه إلى الطريق الصحيح , أو معرفة فريضة من فرائض القرآن وهي الأحكام التي لابد من معرفتها والعمل بها , أو سنة صالحة كالسنن النبوية , حيث يكون العمل بها سبباً لتزكية المرء وأدبه في الدين والدنيا , وأما باقي المعارف التي يتعلمها المرء فهي فضل ويعتبر صاحبها في الشرع فاضل لا عالم , ونجد هذا المعنى في الحديث المروي عن أبي الحسن موسى بن جعفر(ع) قال : دخل رسول الله(ص) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال : ما هذا ؟ فقيل : علامة فقال : وما العلامة ؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها , وأيام الجاهلية والأشعار العربية , قال : فقال النبي(ص) : ذاك علم لا يضر من جهله , ولا ينفع من علمه , ثم قال النبي(ص) : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة , أو فريضة عادلة , أو سنة قائمة , وخلاهن فهو فضل.
وجاء في باب بذل العلم من كتاب فضل العلم ، وهو حديث طلحة بن زيد عن أبى عبد الله(ع) قال : قرأت في كتاب علي(ع) إن الله لم يأخذ على الجهال عهداً بطلب العلم حتى أخذ على العلماء عهدا ببذل العلم للجهال ، لان العلم كان قبل الجهل.إذاً فلا بد للعبد حتى يستقيم مع منهج الله سبحانه وتعالى أربعة أشياء : العلم والعمل والإخلاص والخوف فمن لم يعلم فهو أعمى ومن لم يعمل بما علم فهو محجوب ومن لم يخلص العمل فهو مغبون ومن لم يلازم الخوف فهو مغرور كما هو معلوم ومشهور .
فعن رسول(ص) قال : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين وإنما أنا قاسم والله يعطي ولا تزال من أمتي أمة قائمة بأمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك فيكون المراد : أن الخير محصور في المتفقة فمن ليس بمتفقه لا خير فيه . وعن أبي هريرة رضي الله عنه : من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة وما اجتمع قوم في مسجد من مساجد الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وخفت بهم الملائكة وذكر هم الله فيمن عنده.
وعن أبي الدرداء(رض) قال : قال رسول الله(ص) من سلك طريقاً يطلب فيه علماً سلك الله به طريقاً من طرق الجنة , فالطريق الذي يسلك به إلى الجنة معناه أن هذه الحالة سبب موصل إلى الجنة . وإن الملائكة لتضع أجنحتها رضا جوف الماء وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب وإن العلماء ورثة الأنبياء وإن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ وافر وأما وضع الملائكة أجنحتها فقيل تكف عن الطيران لتجلس فتسمع منه وقيل تكف عن الطيران توقيراً له وقيل ستكف عن الطيران لتبسط أجنحتها له بالدعاء ولو لم تعلم الملائكة أن منزلته عند الله تستحق ذلك له فعلته.
وجاء في باب فرض العلم ووجوب طلبه والحث عليه عن عبد الرحمن بن زيد ، عن أبيه ، عن أبي عبد الله(ع) قال : قال رسول الله(ص) : طلب العلم فريضة على كل مسلم ، ألا إن الله يحب بغاة العلم . والبغاة جمع باغ أي طلاب العلم.. وعن أبي إسحاق السبيعي عمن حدثه قال : سمعت أمير المؤمنين(ع) يقول : أيها الناس اعلموا أن كمال الدين طلب العلم والعمل به ، ألا وإن طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال ، إن المال مقسوم مضمون لكم ، قد قسمه عادل بينكم ، وضمنه وسيفي لكم ، والعلم مخزون عند أهله ، وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه .
وعن عثمان بن عيسى عن على بن أبي حمزة قال : سمعت أبا عبد الله عليه السلام يقول : تفقهوا في الدين فإنه من لم يتفقه منكم في الدين فهو أعرابي والأعرابي منسوب إلى الأعراب وهم الذين يسكنون البادية ولا يتعلمون الأحكام الشرعية إن الله يقول في كتابه : { فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ }التوبة122.
وعن المفضل ابن عمر قال سمعت أبا عبد الله(ع) يقول : عليكم بالتفقه في دين الله ولا تكونوا أعرابا أي لا تكونوا كالأعراب جاهلين بالدين ، غافلين عن أحكامه ، معرضين عن تعلمها , فإنه من لم يتفقه في دين الله لم ينظر الله إليه يوم القيامة ولم يزك له عملا كناية عن سخطه وغضبه عليه . وعدم الاعتداد به وسلب رحمته وفيضه وإحسانه وإكرامه عنه ، وحرمانه عن مقام القرب.
وجاء عن إبراهيم بن عبد الحميد ، عن أبي الحسن موسى(ع) قال : دخل رسول الله(ص) المسجد فإذا جماعة قد أطافوا برجل فقال : ما هذا ؟ فقيل : علامة فقال : وما العلامة ؟ فقالوا له : أعلم الناس بأنساب العرب ووقائعها ، وأيام الجاهلية ، والأشعار العربية ، قال : فقال النبي صلى الله عليه وآله : ذاك علم لا يضر من جهله ، ولا ينفع من علمه ، ثم قال النبي صلى الله عليه وآله : إنما العلم ثلاثة : آية محكمة ، أو فريضة عادلة ، أو سنة قائمة ، وما خلاهن فهو فضل.
فالعلم في نظر الشارع الأقدس حيث يذكر العلم ويقول : طلب العلم فريضة على كل مسلم هو العلم بإحدى هذه الثلاثة إما معرفة آية محكمة من القرآن ترشده ، أو معرفة فريضة من فرائض القرآن وهي الأحكام التي لا مندوحة عن معرفتها والعمل بها ، أو سنة صالحة قائمة على أصولها كالسنن النبوية يكون العمل بها سببا لتزكية المرء وأدبه في الدين والدنيا وأما باقي المعارف فإنما هو فضل وصاحبه في الشرع فاضل لا عالم .
وعن أبي البختري ، عن أبي عبد الله(ع) قال : إن العلماء ورثة الأنبياء وذاك أن الأنبياء لم يورثوا درهماً ولا ديناراً ، وإنما أورثوا أحاديث من أحاديثهم ، فمن أخذ بشئ منها فقد أخذ حظاً وافراً ، فانظروا علمكم هذا عمن تأخذونه ؟ فإن فينا أهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين ، وانتحال المبطلين ، وتأويل الجاهلين .
وروي عن إسماعيل ابن جابر عن أبي عبد الله عليه السلام قال : العلماء أمناء ، والأتقياء حصون والأوصياء سادة . وفي رواية أخرى : العلماء منار ، والأتقياء حصون ، والأوصياء سادة . وعن سيف بن عميرة ، عن أبي حمزة ، عن أبي جعفر عليه السلام قال : عالم ينتفع بعلمه أفضل من سبعين ألف عابد .
وعن كميل بن زياد النخعي قال أخذ أمير المؤمنين(ع) بيدي وأخرجني إلى ناحية الجبان(فالجبان والجبانة بالتشديد الصحراء ، وتسمى بهما المقابر أيضاً) فلما أصحر (أي خرج إلى الصحراء) تنفس الصعداء (أي تنفس تنفساً ممدوداً طويلاً) وقال : يا كميل إن هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها(أي أحفظها للعلم وأجمعها) ، أحفظ عنى ما أقول : الناس ثلاثة ، عالم ربانى (الربانى المتأله العارف بالله تعالى , هو شديد التمسك بدين الله وطاعته) ، ومتعلم على سبيل نجاة ، وهمج (الهمج بالتحريك جمع همجة وهى ذباب صغير كالبعوض يسقط على وجوه الغنم والحمير وأعينهما) رعاع (الرعاع الأحداث الطغام من العوام والسفلة وأمثالها).
أتباع كل ناعق (النعيق صوت الراعى بغنمه ويقال لصوت الغراب أيضا ، والمراد أنهم لعدم ثباتهم على عقيدة من العقائد وتزلزلهم في أمر الدين يتبعون كل داع ويعتقدون بكل مدع ويخبطون خبط العشواء من غير تمييز بين محق ومبطل ) ، يميلون مع كل ريح ، لم يستضيئوا بنور العلم ، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق (الركن الوثيق هو العقائد الحقة البرهانية اليقينية التي يعتمد عليها في دفع الشبهات ورفع مشقة الطاعات ) . يا كميل العلم خير من المال ، العلم يحرسك ( من مخاوف الدنيا والآخرة والفتن والشكوك والوساوس الشيطانية ) وأنت تحرس المال ، والعلم يزكو على الإنفاق (أي ينمو ويزيد به ، إما لان كثرة المدارسة توجب وفور الممارسة وقوة الفكر ، أو لان الله تعالى يفيض من خزائن علمه على من لا يبخل به) ، والمال تنقصه النفقة.
يا كميل محبة العلم دين يدان به (الدين الطاعة والجزاء أي طاعة هي جزاء نعم الله وشكر لها ، أو يدان ويجزى صاحبه به ، أو محبة العالم وهو الامام دين وملة يعبد الله بسببه ، ولا تقبل الطاعات الا به .) ، تكسبه الطاعة في الحياة ، وجميل الأحدوثة بعد الموت ، ومنفعة المال تزول بزواله.
والعلم حاكم والمال محكوم عليه . يا كميل مات خزان المال وهم أحياء(وذلك لان المال المخزون لا فرق بينه وبين الصخرة المدفونة تحت الأرض ، فخازنه هالك لا محالة لانه لم يلتذ بانفاقه ولم يصرفه في الوجوه التى ندب الله إليها ، وهذا هو الهلاك المعنوي وهو أعظم من الهلاك الحسي) ، والعلماء باقون ما بقى الدهر ( أي بذكرهم الجميل وبما حصل لهم من السعادات واللذات في عالم البرزخ والنشأة الآخرة ، وبما يترتب على آثارهم وعلومهم وينتفع الناس ببركاتهم الباقية مدى الاعصار ).
أعيانهم مفقودة وأمثالهم في القلوب موجودة (أي آثارهم وما دونوه من العلوم فكأنهم موجودون ، وباطنه أنهم موجودون حقيقة لا مجازا على قول من قال ببقاء الأنفس ) ، إن ها هنا لعلماً جما وأومأ إلى صدره بيده ، لم اصب 1 له حملة (أي من يكون أهلا له ) , بلى أصيب لقنا غير مأمون عليه ( الفهم من اللقانة وهى حسن الفهم) يستعمل آلة الدين في الدنيا ( أي يجعل العلم الذي هو آلة ووصلة إلى الفوز بالسعادات الأبدية آلة ووسيلة إلى تحصيل الحظوظ الفانية الدنيوية) , يستظهر بحجج الله على أوليائه وبنعم الله على معاصيه ، أو منقاداً لحملة الحق لا بصيرة له في أحنائه يقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة ( يعنى أنه تشتعل نار الشك في قلبه بسبب أول شبهة عرضت له فكيف إذا توالت وتواترت ). ألا لا ذا ولا ذاك ، أو منهوماً باللذة سلس القياد للشهوة ( أي حريصا عليها منهمكا فيها ، والمنهوم في الأصل هو الذي لا يشبع من الطعام ) ، أو مغرماً بالجمع والادخار(أي لازم له مولع به) , ليسا من رعاة الدين في شئ ولا من ذوى البصائر , واليقين أقرب شئ شبهاً بهما الأنعام السائمة ، كذلك يموت العلم بموت حامليه .
اللهم بلى لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة , إما ظاهراً مشهوراً وإما خائفاً مغموراً ، لئلا تبطل حجج الله وبيناته وكم ذا ؟! وأين أولئك ؟ ! أولئك والله الأقلون عددا والأعظمون عند الله قدراً ، بهم يحفظ الله حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم ويزرعوها في قلوب أشباههم ، هجم بهم العلم على حقيقة الأمر فباشروا روح اليقين فاستلانوا ما استوعره المترفون ، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون.
المبحث الثالث
فضل العلم والعلماء
الكتاب والسنة
فضائل العلم :
إن العمل بغير علم لا ينتفع به لقوله (ص) : ( والعامل على غير بصيرة كالسائر على غير طريق لا يزيده سرعة السير من الطريق إلا بعداً ). فكان العلم والعمل قرينين مقترنين لا قوام لأحدهما إلا بالأخر وهذان الجوهران أي العلم والعمل لأجلهما أنزلت الكتب ، وأرسلت الرسل ، بل لأجلهما خلقت السماوات والأرض وما بينهما من الخلق ، وتأمل آيتين من كتاب الله تعالى تدلان على ذلك احديهما قوله عز وجل : {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً }الطلاق12.
الله جل وعلا وحده هو الذي خلق سبع سموات ، وخلق سبعًا من الأرَضين, وأنزل الأمر مما أوحاه الله إلى رسله وما يدبِّر به خلقه بين السموات والأرض؛ لتعلموا أيها الناس أن الله على كل شيء قدير لا يعجزه شيء ، وأن الله قد أحاط بكل شيء علمًا ، فلا يخرج شيء عن علمه وقدرته. وكفى بهذه الآية دليلا على شرف العلم لاسيما على التوحيد . والثانية قوله تعالى : {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ }الذاريات56 .. وما خلقت الجن والإنس وبعثت جميع الرسل إلا لغاية سامية ، هي عبادتي وحدي دون مَن سواي. وكفى بهذه الآية دليلاً على شرف العبادة.
فحق العبد أن لا يشتغل إلا بهما ولا يتعب إلا لهما ولا ينظر إلا فيهما ، وما سواهما باطل لا خير فيه ولغو لا حاصل له ، وإذا علمت ذلك فاعلم أن العلم اشرف الجوهرين وأفضلهما . قال النبي(ص) : فضل العلم أحب إلى الله من فضل العبادة . وقال (ص) : فضل العالم على العابد كفضل القمر على سائر النجوم ليلة البدر.
وقال على بن الحسين(ع) في حديث : مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعلموا بما علمتم ، فان العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفراً ولم يزدد من الله إلا بعداً.
وقال رسول الله(ص) : يا على نوم العالم أفضل من عبادة العابد يا على ركعتين يصليهما العالم أفضل من سبعين ركعة يصليهما العابد . وقال (ص) : يا على ساعة العالم يتكئ على فراشه ينظر في العلم خير من عبادة سبعين سنة وجعل النظر إلى وجه العالم عبادة ، بل والى باب العالم عبادة . وعن على(ع) : جلوس ساعة عند العلماء أحب إلى الله من عبادة ألف سنة والنظر إلى العالم أحب إلى الله من اعتكاف سنة في البيت الحرام ، وزيارة العلماء أحب إلى الله تعالى من سبعين طوافا حول البيت وأفضل من سبعين حجة وعمرة مبرورة مقبولة ، ورفع الله تعالى له سبعين درجة وانزل الله عليه الرحمة ، وشهدت له الملائكة أن الجنة وجبت له .
لكن لابد للعالم من العبادة مع العلم وإلا كان هباءً منثورا فان العلم بمنزلة الشجرة والعبادة بمنزلة الثمرة فالشرف للشجرة إذ هي الأصل لكن الانتفاع بثمرتها , ولو لم يكن لها ثمرة لم يكن لها شرف ، ولم يصلح إلا للوقود ، فإذاً لابد للعبد منهما جميعاً لكن العلم أولى بالتقديم لشرفه ولكونه أصلاً . ولقوله (ع) : والعلم أمام العمل والعمل تابعه وإنما صار العلم أصلاً متبوعا يلزمك تقديمه لأمرين : احدهما أن تعرف معبودك ثم تعبده ، وكيف تعبد من لا تعرفه ؟ وهذا يستفاد من الأدلة العقلية.
الثاني أن تعرف ما يلزمك من العبادات الشرعية وكيفية إيقاعها لئلا يقع شيء من هذه في غير محله ، أو يخل بشرطه فلا تقبل ، وهذا يستفاد من الأدلة السمعية ، وسئل بعض العلماء أيما أفضل العلم أو العمل ؟ فقال العلم لمن جهل والعمل للعالم .
وقد عرف أن العلم لا ينتفع به صاحبه في الآخرة إذا لم يعمل به فيكون هباءً بل وبالاً . وفي هذا إشارةً إلى قول النبي(ص) : أن أهل النار ليتأذون من ريح العالم التارك لعلمه ، وان اشد أهل النار ندامة وحسرة رجل دعا عبداً إلى الله فاستجاب له وقبل منه فأطاع الله فادخله الجنة ، وادخل الداعي النار بتركه عمله وإتباعه الهوى . وروى هشام بن سعيد قال : سمعت أبا عبد الله(ع) يقول : {فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ }الشعراء94 قال (ع) الغاوون هم الذين عرفوا الحق وعملوا بخلافه . وقال (ع) : اشد الناس عذاباً عالم لا ينتفع من عمله ( عمله ) بشيء .. وقال (ع) : تعلموا ما شئتم أن تعملوا فلن ينفعكم الله بالعلم حتى تعملوا به لان العلماء همتهم الرعاية ، والسفهاء همتهم الرواية .
إذاً فالعلم ممدوح في الكتاب والسنة وذلك لقوله تعالى : { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ }آل عمران18 .. وقوله تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ }الزمر9 .. قل أيها الرسول : هل يستوي الذين يعلمون ربهم ودينهم الحق والذين لا يعلمون شيئًا من ذلك؟ لا يستوون. إنما يتذكر ويعرف الفرق أصحاب العقول السليمة.. وقول الصادق(ع) : إذا كان يوم القيامة جمع الله الناس في صعيد ، ووضعت الموازين ، فيوزن دماء الشهداء مع مداد العلماء فيرجح مداد العلماء على دماء الشهداء . قال بعض العلماء : والسر فيه ان دم الشهيد لا ينتفع به بعد موته ، ومدا د العالم ينتفع به بعد موته.
* فضل العلم من الكتب السالفة والحكم القديمة :
ومن الحكمة القديمة : قال لقمان لابنه : يا بني اختر المجالس على عينك ، فإن رأيت قوما يذكرون الله فاجلس معهم ، فإن تكن عالما نفعك علمك وإن تكن جاهلا علموك ، ولعل الله أن يظلهم برحمته فتعمك معهم ، إذا رأيت قوما لا يذكرون الله فلا تجلس معهم ، فإن تكن عالماً لم ينفعك علمك ، وإن كنت جاهلا يزيدوك جهلا ، ولعل الله أن يظلهم بعقوبة فتعمك معهم.
وجاء في التوراة : قال الله تعالى لموسى عليه السلام : عظم الحكمة ، فإني لا أجعل الحكمة في قلب أحد إلا وأردت أن أغفر له ، فتعلمها ثم اعمل بها ، ثم أبدلها كي تنال بذلك كرامتي في الدنيا والآخرة.
وفي الزبور : قل لأحبار بني إسرائيل ورهبانهم : حادثوا من الناس الأتقياء فإن لم تجدوا فيهم تقياً ، فحادثوا العلماء ، فإن لم تجدوا عالماً ، فحادثوا العقلاء ، فإن التقى والعلم والعقل ثلاث مراتب ما جعلت واحدة منهن في خلقي ، وأنا أريد هلاكه . قيل : وإنما قدم التقى ، لان التقى لا يوجد بدون العلم ، كما أن الخشية لا تحصل إلا بالعلم ، ولذلك قدم العلم على العقل ، لان العالم لابد وأن يكون عاقلا .
وفي الإنجيل قال الله تعالى في السورة السابعة عشرة منه : ويل لمن سمع بالعلم ولم يطلبه ، كيف يحشر مع الجهال إلى النار ! ؟ اطلبوا العلم وتعلموه ، فإن العلم إن لم يسعد كم لم يشقكم ، وإن لم يرفعكم لم يضعكم ، وإن لم يغنكم لم يفقركم ، وإن لم ينفعكم لم يضركم ، ولا تقولوا : نخاف أن نعلم ، فلا نعمل ، ولكن قولوا : نرجو أن نعلم ونعمل ، والعلم يشفع لصاحبه ، وحق على الله أن لا يخزيه ، إن الله تعالى يقول يوم القيامة : يا معشر العلماء ! ما ظنكم بربكم ؟ فيقولون : ظننا أن يرحمنا ويغفر لنا . فيقول تعالى : فإني قد فعلت ، إني قد استودعتكم حكمتي لا لشر أردته بكم ، بل لخير أردته بكم ، فادخلوا في صالح عبادي إلى جنتي برحمتي.
وقال مقاتل بن سليمان : وجدت في الإنجيل : أن الله تعالى قال لعيسى عليه السلام : عظم العلماء واعرف فضلهم . فإني فضلتهم على جميع خلقي إلا النبيين والمرسلين ، كفضل الشمس على الكواكب ، وكفضل الآخرة على الدنيا ، وكفضلي على كل شئ .. ومن كلام المسيح عليه السلام : من علم وعمل فذاك يدعى عظيماً في ملكوت السماء.
* فضل العلم من الآثار وتحقيقات بعض العلماء :
ومن الآثار عن أبي ذر رضي الله عنه : باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوعاً . وقال : سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله ، يقول : إذا جاء الموت طالب العلم - وهو على هذه الحال - مات شهيدا . وعن وهب بن منبه : يتشعب من العلم الشرف وإن كان صاحبه دنياً ، والعز وإن كان معيناً ، والقرب وإن كان قصياً ، والغنى وإن كان فقيراً ، والنبل وإن كان حقيراً ، والمهابة وان كان وضيعاً ، والسلامة وإن كان سقيماً .
وقال بعض العارفين : أليس المريض إذا منع عنه الطعام والشراب والدواء يموت ؟ كذا القلب إذا منع عنه العلم والفكر والحكمة يموت .. وقال آخر : من جلس عند العالم ، ولم يطق الحفظ من علمه فله سبع كرامات : ينال فضل المتعلمين ، وتحبس عنه الذنوب مادام عنده ، وتنزل الرحمة عليه إذا خرج من منزله طالبا للعلم ، وإذا جلس في حلقة العالم نزلت الرحمة عليه ، فحصل له منها نصيب ، وما دام في الاستماع يكتب له طاعة ، وإذا استمع ولم يفهم ضاق قلبه بحرمانه عن إدراك العلم ، فيصير ذلك الغم وسيلة إلى حضرة الله تعالى ، لقوله تعالى : أنا عند المنكسرة قلوبهم .. ويرى إعزاز المسلمين للعالم وإذلالهم للفساق ، فيرد قلبه عن الفسق ، وتميل طبيعته إلى العلم ، ولهذا أمر صلى الله عليه وآله بمجالسة الصالحين.
وقال أيضا : من جلس مع ثمانية أصناف من الناس زاده الله ثمانية أشياء : من جلس مع الأغنياء زاده الله حب الدنيا والرغبة فيها ، ومع الفقراء حصل له الشكر والرضا بقسم الله تعالى ، ومع السلطان زاده الله القسوة والكبر ، ومع النساء زاده الله الجهل والشهوة ، ومع الصبيان ازداد من اللهو والمزاح , ومع الفساق ازداد من الجرأة على الذنوب وتسويف التوبة ، ومع الصالحين ازداد رغبة في الطاعات ، ومع العلماء ازداد من العلم .
علم الله تعالى سبعة نفر سبعة أشياء : آدم الأسماء كلها ، والخضر علم الفراسة ، ويوسف علم التعبير ، وداود صنعة الدروع ، وسليمان منطق الطير ، وعيسى التوراة والإنجيل وذلك قوله تعالى: {وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ }آل عمران48 ، ومحمدا صلى الله عليه وآله علم الشرع والتوحيد , وهذا إشارةً إلى قوله تعالى : { وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً }النساء113 وقوله تعالى : { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ }الجمعة2.. وقوله تعالى : {عَلَّمَ الْقُرْآنَ }الرحمن2 .. فعلم آدم عليه السلام كان سبباً في سجود الملائكة له والرفعة عليهم ، وعلم الخضر كان سبباً لوجود موسى تلميذاً له ويوشع عليهما السلام ، وتذلله له كما يستفاد من الآيات الواردة في القصة.
وعلم يوسف كان سبباً لوجدان الأهل والمملكة والاجتباء ، وعلم داود كان سبباً للرئاسة والدرجة ، وعلم سليمان كان سبب وجدان بلقيس والغلبة ، وعلم عيسى كان سبباً لزوال التهمة عن أمة ، وعلم محمد صلى الله عليه وآله كان سبباً في الشفاعة.
* حق المعلم وفضله :-
تبين لنا من خلال الآيات القرآنية الكريمة التي مرت والأحاديث النبوية الشريفة والكتب السماوية السالفة وآثار العلماء في حق العلم والتعليم وما لهما من فضل كبير عند الله سبحانه وتعالى وعند العقلاء فلابد إذاً أن يكون لناقل هذا العلم فضلاً كبيراًً أيضاً وذلك لأنه حفظه وعلمه ثم نقله لغيره من الناس , ولم يترك الأئمة عليهم السلام ذلك بل بينوا لنا ذلك وهذا ما يدل عليه قوله عليه السلام : ( وحق سائسك بالتعلم ، التعظيم له ، والتوقير لمجلسه وحسن الاستماع إليه والإقبال عليه ، وأن لا ترفع عليه صوتك ولا تجيب أحدا يسأله عن شئ حتى يكون هو الذي يجيب ، ولا تحدت في مجلسه أحدا ، ولا تغتاب عنده أحدا ، وأن تدفع عنه إذا ذكر عندك بسوء ، وأن تستر عيوبه وتظهر مناقبه ، ولا تجالس عدوه ، ولا تعادي له وليا ، فإذا فعلت ذلك شهدت لك ملائكة الله بأنك قصدته وتعلمت علمه عز وجل لا للناس ) .
وجاء عن الإمام علي(ع) وهو باب مدينة علم الرسول(ص) ، يقول : ( من علمني حرفاً كنت له عبداً ) فماذا يقول واحدنا إذن ؟ وهل الإمام في حاجة لمعلم بعد محمد(ص) ليقول هذا ؟ كلا . ولكنه يعلمنا أن نخضع للمعلم ، وأن نعتبره مصدر الحياة في الأمة ثم نعتبر العلم عين هذه الحياة ألم يحصر القرآن عظمة الوجود في وحدانيته ، ويحصر عظمة هذه الوحدانية في هيمنته على الكون ، ثم يحصر هذه الهيمنة في العلم بقوله عز من قائل : { شَهِدَ اللّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ }آل عمران18 .. ألم يجعل الفرقان تقوى الله مناط كرامة الإنسان وفضله على غيره إذ قال : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ }الحجرات13, ثم يحصر هذه التقوى بالعلماء في قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء }فاطر28 .. إذن يصدق الإمام إذ يقول : ( من علمني حرفاً كنت له عبداً ) وهو يعني بذلك أن يجعلني أقرب إلى الله ، إلى ربي وأكرمهم عليه هو معلمي .
فعبوديتي لهذا المعلم جزء من عبوديتي لخالقي ، إذ كان السبب الأول في عرفاني بنفسي ومن وراء هذا العرفان عرفت ربي ، فكل حرف تعلمته ودنت به لخالقي أراني مدينا بين يديه لمن علمنيه وفقهني به ثم أصدرني عنه إنساناً كاملاً يصعد بروحه إلى سمائه ثم يهبط بجسده إلى أرضه .
وإذا خاطب الله عبده وهو يحثه على طاعة أبويه بقوله : {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً }الإسراء24 .. ثم إذا قرن طاعة عبده له بطاعته لوالديه في قوله تعالى : { وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً وَإِن جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ }العنكبوت8 .. فإذا فرض الله على العبد هذه الطاعة ، فمن طريق أولى أن يفرض على عباده الطاعة لأهل العلم لأن العالم خير من العابد ولأن المعلم أفضل من الأب .. فالمعلم أب روحي يعطينا غذاءاً روحياً فكرياً ثميناً ، فيجب تعظيمه وتوقيره واحترامه ، والتعاون معه في سبيل التعلم ، لأن التعليم والتعلم عملية تعاون بين المعلم والمتعلم ، فيجب على المتعلم أن يحسن الإصغاء والاستماع والإقبال على المعلم بكل نفسه ففي ذلك تعظيم وتوقير وإجلال لمقام المعلم وشأنه .
ويريد عليه السلام بالتعظيم والتوقير أن تكون عند معلمك كما تكون بين يدي أبويك . يجب عليك أن لا ترفع صوتك فوق صوته وأن تدفع عنه كل ما يمسه بسوء في حال حضوره وغيبته ، وأن تظهر ما تعرف له من فضل ، وتنشر بين الناس ما لمست منه من معروف ، وأن تخفى عن الناس ما اطلعت على بعض مكنوناته مما لا يحسن أن يطلع عليها أحد . وبدهي أن للعلم شأناً عظيماً ، ومقاماً محموداً في المجتمع الذي يقدر مهمة التعليم حق قدرها . فالشعوب المتمدنة تقدس معلميها وتحلهم الموقع الأسمى اللائق بهم ، نظراً لصنيعهم وتقديراً لخدماتهم التي يؤدونها إلى أمتهم إبان قيامهم بوظائفهم التعليمية .
فالإجلال للمعلمين يتمشى معهم أينما ساروا وحيثما حلوا ، لما لهم من الأيادي البيضاء في تثقيف العقول وتهذيب الأخلاق والأفكار ، ومن التأثير في إعلاء مستوى الشعوب إلى ما يؤهلها لرفع مكانها بين الأمم الحية لتسير في مضمار الحياة ، وتقابل كل حادثة وكارثة برباطة جأش وقوة إيمان لا تتخلص الشعوب من غياهب الجهل ، ولا تتقدم في معارج الحياة والتقدم المنشود ، بل لا تكون ذات قوة وسلطان ومنزلة عليا ما لم يكن فيها معلمون ذوو اختصاص يدر بونها فيصلون بها إلى حياة العلم الصحيح ، حياة العزو السؤدد فإذا وجدت شعبا يتقدم نحو الكمال بخطوات رصينة أيقنت أن وراءه مرشدين ينتشلونه من حضيض الجهل والهوان ذروة العلم والمجد ، فبهذا الاعتبار لزم أن يكون المعلم محترم الجانب عزيز الكرامة . وقد سئل الإسكندر ما بالك توقر معلمك أكثر من والدك فقال : ( لأن المعلم سبب لحياتي الباقية ، ووالدي سبب لحياتي الفانية ) .
وقد بلغ من اهتمام الرشيد بتعليم أولاده أنه سأل يوماً من أكرم الناس خدماً ؟ فقيل : أمير المؤمنين . فقال : لا بل أكرمهم خدماً ( الكسائي ) ! فقد رأيته يخدمه الأمين والمأمون وليا عهد المسلمين وليس لي من الخدم مثلهما . إن للعلم فضلا كبيراً على العالم ، كيف لا وهو يضحي بأعز مالديه من أجل أبناء قومه ، فإذا كانت الرجال تقاس بأعمالها ، فإن ما يقدمه المعلمون من الخدمات القيمة في سبيل إنهاض شعوبهم تجعل في أبناء تلك الشعوب مكانةً خاصةً لهؤلاء المرشدين الذين علموا النشئ كيف يقيم لمثل هذه الأعمال وزناً.
خاتمة
إن الإسلام أوجب كسب العلم بدرجة حيث اعتبر الحضور في مجلس العلم كالحضور في روضة من رياض الجنّة: «مجلس العلم روضةٌ من رياض الجنة». كما عدَّ النظر إلى وجه العالم عبادة «النظر إلى وجه العالم عبادة» وكل خطوة يخطوها في سبيل العلم فهي خطوة نحو الجنة .. وقد عدَّ مداد العلماء أفضل من دماء الشهداء .. وحفظ الحديث وكتابته من الفضائل العظيمة وإلى غير ذلك من الأحاديث التي تحث على طلب العلم
ويدعو الإسلام من جهة أخرى إلى تهذيب النفس وتزكيتها لأجل تهيئتها لقبول المعارف والعلوم الإلهية وعلى هذا، فأولئك الذين تركوا طلب العلم وأوصوا زملائهم وأتباعهم بتركه، والتوجه إلى تصفية الباطن وتزكيتها على خطأ، لأن التزكية هذه غالباً ما تنحرف عن جادة الصواب بسبب عدم اقترانها بالعلم والمعرفة، وكذلك أولئك الذين انهمكوا في كسب العلوم الرسمية وأهملوا تهذيب النفس، فأنهم في ضلالة.
إن بناء الدولة الإسلامية بناءً محكماً في المجال الاقتصادي والسياسي والعسكري ، يجب عليه أولاً تهيئة مقدمات بناء الدولة من خلال بناء الأفراد علمياً وثقافياً قبل البلوغ ، لأن ديناً كالإسلام يحاول تثبيت أسس العدالة الاجتماعية بقوة القانون ، ولا يمكن أبداً أن يحرم الأفراد من حقوقهم.
ولاشك إن المدرسة في المجتمع الإسلامي تساهم في تطوير النظام الاجتماعي ، من خلال نقل المعرفة الإسلامية والإنسانية إلى أذهان الطلبة من الجيل القديم إلى الجيل الجديد ، ونشر الفكر الذي يوحد توجهات المجتمع ، وتطوير شخصيات هؤلاء التلاميذ الذين سيحملون مشعل المسؤولية مستقبلاً ، وتأهيلهم لتحمل التكليف الشرعي ، وتمرينهم على الأعمال التخصصية ، وتعليمهم قواعد النظام الاجتماعي التي تربط الأسرة وأفرادها بالمسجد والمدرسة والحكومة وساحة العمل المهني.
فعلى نطاق نقل المعرفة ، لابد لعملية التعليم من الاستمرار عبر الأجيال المتعاقبة ، وهذا هو الذي يميز المجتمعات الإنسانية عن غيرها من التجمعات الحيوانية . ففي كل حقبة زمنية تتراكم كمية هائلة من المعلومات الاجتماعية والتجريبية ، لابد وان تنقلها أيادي الجيل القديم إلى نظائرهم من الجيل الجديد . وهذا الانتقال لا يساهم في بقاء الحياة الإنسانية في تطور مستمر فحسب ، بل يساهم في بقاء القيم الأخلاقية حية في الضمائر مهما طال زمن انتشارها . ولا يمكن نقل هذه المعارف والأفكار الإنسانية إلا عن طريق المدرسة والنظام التعليمي المعترف به اجتماعياً.
إن النظام التعليمي الإسلامي ينبغي إن يؤسس في كل مدرسة مسجداً للصلاة ، وينبغي أن تندمج المدرسة بالمسجد اندماجاً حقيقياً يؤدي إلى تهذيب المدرسة أخلاقيا ، والى رفد المسجد بالطاقات العلمية الشابة المؤهلة لا للعبادة والدعاء والتسبيح فحسب ، بل على أتم الاستعداد للدفاع عن الدين والوطن ، وحماية العقيدة بالعلم والسلاح. ولابد لهذه المدرسة من فتح أبواب النقاش العلمي والنقد البناء ، فالرد على النظريات الفاسدة والآراء المنحرفة يوفر للطلبة فرصاً ثمينة لممارسة النقد البناء المستند على الأسس العلمية . بل إن المدرسة تستطيع أن تهيئ لطلابها جواً من العمل السياسي والاجتماعي ، حتى تؤهلهم لاحقاً لدخول المعترك الاجتماعي دون عراقيل.
الفهرس
التمهيد
المبحث الأول – الأسلوب التربوي في القرآن
المبحث الثاني – الأسلوب التربوي في السنة النبوية
المبحث الثالث – فضل العلم والعلماء في الكتاب والسنة
المصــادر
- الكافي – الشيخ الكليني
- الحدائق الناضرة – المحقق البحراني
- روضة الطالبين – محي الدين النووي
- عدة الداعي – أبن فهد الحلي
- منية المريد – الشهيد الثاني
- صراط النجاة – الميرزا جواد التبريزي
- تفسير الميزان – السيد الطباطبائي
- لمحات – الشيخ لطف الله الصافي
- أبعاد متطورة في الفكر التربوي ـ نبيه يس
- تسهيل النظر وتعجيل الظفر ـ نبيه يس